بسمة لا تزال صغيرة

كنت دومًا على ثقة بأنّ زوجي علي رجل مسؤول يسعى باستمرار إلى تأمين حياة نزيهة ولائقة لأولادنا الأربعة، لكن الحرب أزالت حتّى هذا الاحتمال ولم تترك لنا أيّ خيار، بل أجبرتنا على ترك بلادنا والانتقال للعيش في لبنان. منذ لجوئنا إلى هنا، حاول علي جاهدًا إيجاد عمل يعيلنا، لكن لم يحالفه الحظ، فبدأت حالتنا المعيشية تسوء يومًا بعد يوم.

بعد فترة وجيزة على لجوئنا، تقدّم شاب لابنتنا بسمة البالغة من العمر 13 سنة. تحمّست بسمة لفكرة أنها ستسكن في منزل خاص بها، وستكون جميلة يوم عرسها بحلّتها البيضاء، لكنّها لم تكن تدرك المسؤولية الكبيرة التي ستقع على عاتقها، خاصّة وأنّني لن أكون موجودة بجانبها لرعايتها وإرشادها. أمّا زوجي علي، فاعتقد أن هذا الزواج سيحسّن من حالتنا وسيستر على بسمة.

تذكّرت مشهد قدوم عروسَين جديدَين انتقلا إلى مخيّمنا في سهل البقاع. كان العريس علاء، 17 سنة، وزوجته ريما، 15 سنة، قد تزوّجا قبل عشرة أيام في سوريا ثمّ انتقلا للعيش في الخيمة المجاورة لإبنة عمّي. أذكر كيف كان غياب عوازل الصوت بين الخيم القماشية المتزاحمة داخل المخيّم يحرم سكّانه من الخصوصية والراحة التامّة في مساحتهم الشخصية. كان معظم سكّان المخيّم الذين تلقّوا جلسات توعية حول خطورة التزويج المبكر يعلمون أن زواج علاء وريما سيثير بلبلة وسيشهدون على عواقبه أمام أعينهم، خاصّة وأنهم أصبحوا أكثر تحسّسًا حيال المسألة. كان يتمّ تداول مشاكل الزوجين في أرجاء المخيّم والمخيّمات المجاورة كلّ يوم. وعن هذه المشاكل، قالت لي ابنة عمّي أنها لا تختلف عن مشاكل الأطفال الذين يلعبون في المدرسة أو في المنزل. فمثلاً كانت ريما تقول لعلاء: "إنت سرقت مخدتي، هاي إلي أنا!"، ويرد عليها هو: "إنتي أكلتِ كيسي الشيبس مبارح! وعلى فكرة أمّك ما بتسوا". في معظم الأحيان، كان يسمع الجيران صياحاً وأصوات صحون تتكسّر، وبعد أن ينتهي الزوجان من التضارب  يتصالحان كأن شيئًا لم يحدث. حاول الجيران التدخّل من أجل تهدئتهما، لكن سرعان ما غادرا المخيّم بعد أن وجد علاء عملاً كناطور في مزرعة.

"إنه شاب صالح ومن عائلة محترمة ولديه عمل ويعيش في منزل! إنني متأكد أنه سيعامل بسمة كملكة!". شعرت بالقشعريرة عندما سمعت هذا الكلام من شقيق زوج، الذي زارنا بشكل مفاجئ، وأنا أقدّم له الشاي ذاك المساء. بدت على زوجي علي علامات الإرهاق من العمل في البناء في ورشة قريبة منّا. لكنه هزّ برأسه موافقًا عندما أضاف أخوه "سوف تتحسّن أوضاعك الماديّة بلا شك، فكر بالموضوع يا علي!".

بعد أن خلد الجميع إلى النوم، استلقيت إلى جانب بسمة لأنني لم أستطع أن أنام. التصقت بها ورحت ألعب بشعرها والذكريات معها تنسدل مع خصلها البنية. عدت إلى اليوم الذي وُلدت فيه هذه الفتاة المتمردة التي صنعت خياراتها بنفسها منذ الصغر. كيف لطفلة مثلها أن تتزوّج وهي لا تعرف شيئًا عن الحياة سوى اللهو واللعب؟ كيف لها أن تتحمّل الأعباء المنزلية والمسؤولية المترتّبة عليها وهي ترفض أن تُخرج القمامة إلى الخارج وأن تغسل الصحون؟ لوهلة شعرت بالهلع لمجرّد تفكيري بجسدها النحيل يحمل طفلًا، وبأن بسمة لن تحتمل آلام الولادة كما أنّها لن تحتمل أن يجبرها أحد على فعل شيء لا تريده. وأحسست بأنه عليّ أنا أن أفعل شيئاً ما وأن أمنع هذا الزواج مهما كلّف الامر.

في اليوم التالي، قمت بزيارة عائشة، ابنة عمّ علي التي تذكّرت أنها عضوة في لجنة لحماية الأطفال. عائشة هي الشخص الوحيد الذي باستطاعته إقناع علي برفض هذا الزواج. زارتنا وزوجها في مساء اليوم التالي وبدأت تستجوب علي وتسأله: "كيف لك أن تسأل طفلة عير ناضجة أن تقرّر إن كانت تريد الزواج أم لا؟ هل تعلم أنها قد تموت عند الولادة إذا حملت؟". وبعد أن أغدقت عليه أسئلتها غير المريحة، شرحت لنا عن الآثار النفسية التي قد تعاني منها بسمة في المستقبل بسبب هذا التزويج.

لم أنطق بأيّ كلمة طوال الوقت، لكنني راقبت تعابير وجه علي عندما تطرّقت عائشة وزوجها إلى مواضيع حسّاسة وقضايا تمسّ بالعادات الاجتماعية... في تلك الليلة، صلّيت طوال الليل متمنّية أن يعدل علي عن موافقته على هذا الزواج، هو الذي لم يسألني أصلاً رأيي بزواج ابنتنا.

عندما عاد علي من العمل في اليوم التالي، كان العريس ينتظره ليسمع جوابه النهائي. فقال له علي أنّ بسمة ما زالت صغيرة للزواج.

حينها، أحسستُ أن جميع هموم الحياة أُزيحت عنّي وأنّ بسمة ستبقى تتّخذ خياراتها بنفسها وتصبح الشخص الذي تودّ أن تكون.  

* شهادة امرأة من أحد مخيّمات اللجوء في البقاع، حيث أسّست "كفى" لجاناً لحماية الأطفال.

* إن مشروع حماية الأطفال في منظمة كفى هو بالشراكة مع يونسف وبالدعم من الاتحاد الاوروبي ووزارة التنمية الدولية البريطانية