الى هيومن رايتس ووتش: معالجتكم لمشكلة الاتجار بالنساء مخيّبة ولا تحمي الضحايا

الى هيومن رايتس ووتش: معالجتكم لمشكلة الاتجار بالنساء مخيّبة ولا تحمي الضحايا

معالجتكم لمشكلة الاتجار بالنساء مخيّبة ومضلِّلة ولا تحمي الضحايا    

أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش بتاريخ 28 تموز 2016 بياناً صحافياً بعنوان "سوريات معرّضات لخطر الاتجار الجنسي في لبنان"، تناولت فيه معالجة الدولة اللبنانية لمسألة الاتجار بالنساء بهدف الاستغلال الجنسي، وتحديداً في قضية "شي موريس"، محلّ الدعارة الذي تمّت مداهمته في آذار الماضي والذي احتُجزت فيه عشرات النساء السوريات المستغلّات. وفيما أضاءت المنظمة على التقصير في معالجة الدولة لهذه القضية، وخاصة النقص في إنفاذ قانون مكافحة الاتجار، والتبليغ عنه، والتنسيق بين عناصر الشرطة، وتوفير الدعم للناجيات من الاتجار بالأشخاص، استخدمت هيومن رايتس ووتش هذه القضية لتطرح وتروّج لسياستها الحديثة المتعلّقة بما يُسمّى "العمل الجنسي"، إذ ورد في البيان المقطع المحوري التالي:

"تُعارض هيومن رايتس ووتش تجريم العمل الجنسي الذي يتم بين بالغين بالتراضي. ترى هيومن رايتس ووتش أن تجريم العمل الجنسي يخلق أيضاً معوقات تحرم العاملين بالجنس من حقوقهم الأساسية، مثل الحماية من العنف، والعدالة في مواجهة الانتهاكات، والخدمات الصحية الأساسية".
يتبيّن لنا أن هيومن رايتس ووتش، في المقطع أعلاه وفي بيانها ككلّ، قدّمت تحليلاً ضعيفاً لواقع الدعارة والاتجار بالنساء عموماً، والسياق اللبناني خصوصاً، لا بل كان تحليلها مضلِّلاً:

أولاً، استعملت المنظمة عبارة "العمل الجنسي" من دون شرحها، داعيةً إلى عدم تجريمه لضمانة أكبر للحقوق الأساسية "للعاملين" فيه. للوهلة الأولى، يظن القارىء/ة أن المنظمة تدعو إلى عدم تجريم الأشخاص الذين يقدّمون الخدمات الجنسية، وهو أمر أساسي تتّفق عليه معظم الجهات الحقوقية. لكن في الواقع، التصريح مُبهَم والمقصود منه عدم تجريم كل نواحي "العمل الجنسي"، تماشياً مع سياسة المنظّمة حيال هذه المسألة. عملياً، يعني ذلك عدم تجريم صناعة الدعارة بمجملها والمضي قدماً بتنظيمها، مع العلم أنها تتألّف من قوّادين ووسطاء ومتاجرين بالبشر، ومن مؤسّسات تجارية تربح من وتروّج للدعارة، ومن مشتري الممارسات الجنسية الذين، لولا وجودهم، لمَا كانت هذه الصناعة موجودة أصلاً. فهل تدعو هيومن رايتس ووتش إلى تبرئة هؤلاء وإعطائهم حصانة قانونية واجتماعية؟

​ثانياً، يبدو جليّاً لنا أن هيومن رايتس ووتش أغفلت المنظار الجندري في توصيتها هذه حيث تكلّمت عن "العمل الجنسي" و"العاملين فيه"، وكأن هذه الظاهرة لا تطال بشكل أساسي نساء وفتيات، وكأن من يشتري الممارسة الجنسية ليسوا بشكل شبه مطلق رجال. فهذه اللغة الحياديّة لا تظلم إلا المتضرّر منها، وتعبّر عن إغفال -أو ضعف في- تحليل جندري مُدرك لغياب المساواة والهوّة الجندرية في مجال الدعارة أيضاً. من ناحية أخرى، في النظر إلى الدعارة وتسميتها "بالعمل الجنسي"، تبسّط المنظمة المسألة برمّتها وتغضّ الطرف عن كون الدعارة مجالاً مليئاً بالعنف، ومجالاً قائماً على استغلال المرأة وتسليعها وإبقائها في موقع دونيّ ومنفّذ لرغبات الرجل.​
وهل خفي على المنظمة أن الغالبية الساحقة من النساء في الدعارة لم يدخلنها لأنهنّ اخترنها أو رغبنها، إنّما دخلنها (مُستقطبات، مجبرات، أو بقرارت ذاتية) لقلّة الخيارات، وإن كنّ أحياناً راضيات؟ وما قيمة الرضا حين تتعرَّض النساء في الدعارة لمخاطر وممارسات استغلالية يومياً؟ ما قيمة الرضا في مجال قائم على استغلال المهمّشات والمنبوذات والمعنّفات والمهاجرات، وقائم في أصله على فعل عنفيّ هو ممارسة جنسيّة بقوّة المال؟ وبمنطق المنظمة هذا، إنّ أي امرأة تتعرّض لعنف من شريكها أو زوجها وهي قابلة بالواقع وغير ثائرة عليه، "يرتقي" ما يحصل معها إلى فعل مقبول وغير جرمي إذ إنه يحصل "بين بالغين بالتراضي".

ثالثاً، تقول هيومن رايتس ووتش إن التجريم يخلق معوقات تحرم العاملين بالجنس من حقوقهم الأساسية، مثل الحماية من العنف. فهل تقصد المنظمة أن تقول إن تنظيم الدعارة يؤمّن الحماية لهنّ؟ ولِمَن يؤمّن الحماية فعلياً؟ على الأرجح، يؤمّنها للقوّاد والمسهّلين الذين سيصبحون مدراء أعمال وموظّفين بفضل اقتراحها، ولمشتري الجنس الذين سيكسبون شرعيّة حقوقية وقانونية للممارسات العنفية التي يطلبونها من نساءٍ لن يميّز الزبائن إذا كنّ ضحايا اتجار أو لا قبل أن يطلبوها منهنّ.

أمّا عمّا إذا كان تنظيم الدعارة يحمي النساء فيها فعلياً أم لا، يكفي أن ننظر إلى عدد من التقارير الصادرة عن الموضوع في دولتين اشتهرتا باعتماد المنحى التنظيمي، هما ألمانيا وهولاندا. فقد أثبتت تقارير عديدة، حكومية وغير حكومية، أن تنظيم الدعارة لم يقضِ على الاستغلال والاتجار بالأشخاص، لا بل زاد من نسبها ولم يعزّز حماية النساء. وفي مطلق الحالات، مُنظّمة كانت الدعارة أم لا، فعل الدعارة سيبقى نفسه، كما تخبر ناجيات كثيرات منه، وهذا ما أغفلته هيومن رايتس ووتش وغيرها من المنظمات الدولية.
 

في الختام، من المفيد التذكير بأن معالجة الاتجار الجنسي بالنساء لا يمكن أن تتمّ من دون معالجة الدعارة حيث أن المسألتين وثيقتَي الارتباط وتتشاركان الأسباب والآثار نفسها، كما والسبب الجذري نفسه وهو طلب الرجال على شراء الخدمات الجنسية. وإذا كانت نيّة هيومن رايتس ووتش من خلال نشر هذا البيان الضغط باتجاه تفعيل حماية النساء ضحايا الاتجار، فإنّ الحماية القانونية برأينا لن تتمّ من دون أن تُلغَ المواد والأنظمة التي تتناقض مع قانون معاقبة الاتجار بالأشخاص لكي يُصار إلى تطبيقه بشكل فعلي، ومن دون إزالة التجريم عن النساء في الدعارة، تحديداً من خلال إلغاء المادة 523 من قانون العقوبات التي لم يذكرها بيان هيومن رايتس ووتش. ما يحمي النساء في الدعارة فعلياً هو تأمين الدولة للسبل اللازمة لخروجهنّ والبدائل لهنّ وعدم تجريمهنّ، وتجريم في المقابل من يستغلّهنّ من قوّاد وزبائن في مجالٍ هو بعيد كلّ البعد من أن يُسمّى "عملاً".

 

منظمة كفى، في 4/8/2016